يشهد الفضاء القريب من كوكبنا نشاطاً استثنائياً هذه الأيام، ففي الوقت الذي تتجه فيه سلسلة من العواصف الشمسية القوية نحو الأرض، مهددة بإحداث اضطرابات جيومغناطيسية وظواهر شفق قطبي مذهلة، تستعد وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” لبدء العد العكسي لإنهاء مهمة أحد أبرز إنجازات البشرية في الفضاء، محطة الفضاء الدولية، التي شكلت رمزاً للتعاون العلمي العالمي على مدى ربع قرن.
عواصف شمسية في طريقها إلى الأرض
أعلن المركز الوطني للتنبؤ بالطقس الفضائي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) أن سلسلة من الانبعاثات الكتلية الإكليلية (CMEs) انطلقت من المنطقة النشطة على الشمس المعروفة باسم AR4246 بين 11 و13 تشرين الأول/أكتوبر. ومن المتوقع أن تصل هذه العواصف إلى الغلاف الجوي للأرض في الفترة ما بين 15 و17 من الشهر نفسه، مما قد يؤدي إلى اضطرابات ملحوظة.
ووفقاً للنماذج الحاسوبية التي عرضتها عالمة فيزياء الطقس الفضائي، تاميثا سكوف، فإن العاصفة الأولى قد وصلت بالفعل محدثةً اضطراباً طفيفاً، لكن ثلاث عواصف أخرى تتبعها بسرعة، وهي “متراصة” معاً، مما قد يضاعف من تأثيرها عند وصولها بشكل متتالٍ.
توقعات بظهور الشفق القطبي الساحر
من المتوقع أن تبلغ الاضطرابات ذروتها في وقت متأخر من يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر، حيث يمكن أن تصل قوة العاصفة الجيومغناطيسية إلى مستوى G2 (متوسط) على مقياس من خمس نقاط، قبل أن تتراجع إلى مستوى G1 (طفيف) في اليوم التالي. يمكن لعاصفة بهذا الحجم أن تسبب تقلبات محدودة في شبكات الطاقة، وتأثيراً طفيفاً على الأقمار الصناعية، والأهم من ذلك، ظهور أضواء الشفق القطبي الساحرة في مناطق أبعد جنوباً من المعتاد، لتكون مرئية في سماء ولايات مثل نيويورك وأيداهو في الولايات المتحدة، وشمال اسكتلندا وكندا.
نهاية حقبة لمحطة الفضاء الدولية
على صعيد آخر، وبعد خمسة وعشرين عاماً من الدوران المستمر حول الأرض، تستعد وكالة ناسا لتوديع محطة الفضاء الدولية. فهذا المختبر المداري، الذي كان رمزاً للتعاون الدولي بين الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وكندا وروسيا، واستضاف رواد فضاء بشكل متواصل منذ تشرين الثاني/نوفمبر عام 2000، قد دخل مرحلة التحضير للتقاعد. ومن المقرر أن يتم إخراج المحطة من مدارها في عام 2030 وتوجيهها لتهوي في منطقة نائية من المحيط الهادئ.
إرث علمي من مدار الأرض المنخفض
خلال مسيرتها، استضافت المحطة أكثر من 4000 تجربة علمية في مجالات متنوعة مثل علوم المواد، الفلك، التكنولوجيا الحيوية، وعلوم الأرض. وقد أدت هذه الدراسات إلى نشر أكثر من 4400 ورقة بحثية أسهمت في تحسين الحياة على الأرض ووضعت الأساس لمزيد من الاستكشافات الفضائية. بفضل بيئة الجاذبية الصغرى الفريدة، تمكن العلماء من زراعة شبكيات عين اصطناعية، ورسم خرائط للحمض النووي، وتحسين طرق بلورة أدوية السرطان، ودراسة كيفية عمل البرق من الفضاء.
ما بعد المحطة الدولية: عصر المحطات التجارية
لكن نهاية محطة الفضاء الدولية لا تعني نهاية الوجود البشري في مدار الأرض المنخفض. فلدى وكالة ناسا خطة واضحة للانتقال إلى مرحلة جديدة تعتمد على القطاع الخاص. ففي عام 2021، منحت الوكالة عقوداً تزيد قيمتها عن 400 مليون دولار لشركات خاصة تعمل على تطوير محطات فضاء تجارية. ومن المتوقع أن تصبح هذه المحطات الخاصة هي المراكز البحثية الجديدة بحلول عام 2030.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، أعلنت ناسا عن مرحلة ثانية من هذه الشراكات لتمويل تصميم المحطات وإثبات قدرتها على العمل، حيث يجب على الشركات المختارة إثبات أن محطاتها قادرة على استضافة أربعة رواد فضاء بأمان لمدة 30 يوماً على الأقل.
أيقونة في سماء المساء
في هذه الأثناء، تستمر محطة الفضاء الدولية في الدوران حول الأرض بسرعة 28 ألف كيلومتر في الساعة، وستظل تفعل ذلك لسنوات قليلة قادمة. يمكن لهواة مراقبة السماء الاستمتاع بمشهدها وهي تعبر السماء كنقطة ضوء لامعة، لتكون منارة تذكرنا بمدى ما وصل إليه الإبداع البشري والتعاون الدولي. فما بدأ كمجرد فكرة، يلمع الآن كل مساء كدليل على الطموح الإنساني المشترك.